كشفت شركة آبل النقاب عن خططها الاستراتيجية الطموحة لضخ استثمارات تتجاوز مئة مليار دولار في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال السنوات الثلاث المقبلة، في مؤشر قاطع على عزم شركة كوبرتينو استعادة مكانتها الريادية في سباق التكنولوجيا الذي تتصدره منافسوها بوتيرة متسارعة منذ انطلاق ثورة نماذج اللغة الكبيرة. وجاء الإعلان خلال مؤتمر المطورين السنوي للشركة الذي احتشد فيه آلاف المطورين والمستثمرين ومحللي التكنولوجيا في مقرها بمدينة كوبرتينو الكاليفورنية.
وتتمحور الخطة الاستراتيجية حول دمج قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي بعمق وشمولية في منظومة منتجات آبل بالكاملة، بدءاً من الآيفون والآيباد والماك والساعة الذكية، وصولاً إلى خدمات السحابة وتطبيقات الإنتاجية المختلفة. وقالت مصادر مقربة من الشركة إن هذا التوجه الشامل يهدف إلى تقديم تجارب فائقة الذكاء والتخصيص للمستخدمين، تتجاوز بمراحل ما تُقدمه المساعدات الرقمية التقليدية ومنصات الذكاء الاصطناعي القائمة حالياً.
وأعلن الرئيس التنفيذي للشركة تيم كوك أن آبل ستُطلق قريباً جيلاً جديداً من رقاقاتها المُخصصة لمعالجة مهام الذكاء الاصطناعي على الجهاز مباشرةً دون الحاجة إلى الإرسال إلى خوادم بعيدة، بما يضمن مستوى غير مسبوق من الخصوصية ويُقلل الاعتماد على السحابة في معالجة البيانات الحساسة للمستخدمين. وتُمثل هذه النقطة تحديداً ورقة تمييز استراتيجية جوهرية تسعى آبل إلى تحويلها إلى ميزة تنافسية راسخة في سوق بات الخصوصية وحماية البيانات فيه شاغلاً محورياً لملايين المستخدمين حول العالم.
وتبيّن من تفاصيل الإعلانات أن آبل تعمل على شراكات استراتيجية مع عدد من مزودي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من شركات رائدة، إلى جانب تعزيز كبير لاستثماراتها في أبحاثها الداخلية وتوسيع مراكز البيانات الخاصة بها. وتشير التقارير المتاحة إلى أن الشركة تُخطط لتوسيع فريق الذكاء الاصطناعي ليشمل آلاف المهندسين والباحثين الإضافيين في مواقع متعددة حول العالم، بما فيها مراكز بحثية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
وقد تفاعلت أسواق المال بإيجابية لافتة مع مجمل هذه الإعلانات، إذ قفزت أسهم آبل بنسبة تجاوزت أربعة بالمئة في تداولات ما بعد الإغلاق، لتُعزز بذلك قيمتها السوقية التي تتحرك في نطاق الثلاثة تريليونات دولار وتُبقيها بين الشركات الأعلى قيمة سوقية في التاريخ. وقال محللون في بنوك استثمارية كبرى إن هذا التوجه الاستراتيجي قد يُعيد تقييم آبل بشكل جذري بوصفها شركة ذكاء اصطناعي متكاملة وليس مجرد صانع أجهزة بالغة الجودة، مما يفتح أمامها آفاقاً جديدة واسعة للنمو في الأسواق العالمية.
بيد أن ثمة أصواتاً متشككة ومتحفظة في القطاع ترى أن آبل تسعى للحاق بركب غوغل ومايكروسوفت وميتا وأوبن إيه آي التي سبقتها في هذا الميدان بخطوات واسعة وأنفقت مليارات مبكرة في بناء نماذج لغوية متقدمة. وتساءل عدد من المحللين الصريحين عما إذا كانت الشركة قادرة على تمييز نماذجها وتجاربها بما يكفي لتحقيق ريادة حقيقية، أم أن الفجوة التي تراكمت خلال السنوات الماضية قد تكون عسيرة الردم حتى بهذا الحجم الضخم من الاستثمارات.
وعلى الصعيد التقني، أبدت آبل اهتماماً واضحاً بمفهوم الذكاء الاصطناعي الموزع الذي يجمع بين المعالجة على الجهاز والاستعانة بالسحابة عند الضرورة، وهو نهج يُسميه مهندسو الشركة باللغة الداخلية نموذج الذكاء الهجين. ويرى المراقبون أن هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لمخاوف المستخدمين من المراقبة وسرقة البيانات، وقد يمنح آبل ميزة تفاضلية حقيقية على المنافسين الذين يعتمدون بشكل أثقل على بنيتهم السحابية.
في المحصلة، يُجمع معظم المراقبين والمحللين على أن دخول آبل بهذا الحجم والثقل إلى ميدان الذكاء الاصطناعي التوليدي سيُضفي على المنافسة في هذا القطاع زخماً إضافياً متجدداً، وسيُسرّع وتيرة الابتكار والتطوير بما يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة المستخدم النهائي والمطوّر المستقل على حدٍّ سواء، وسيعيد رسم حدود ما يمكن تحقيقه في عالم الأجهزة الذكية المتصلة.