مستقبل الهيدروجين الأخضر: هل يُصبح وقود القرن الواحد والعشرين؟

يكتسب الهيدروجين الأخضر زخماً متصاعداً في أروقة صناعة الطاقة العالمية، إذ يُقدّمه كثيرون بوصفه الحل الأمثل لتحقيق أهداف إزالة الكربون في القطاعات الصناعية التي يصعب تكهربتها مباشرةً، كصناعات الصلب والإسمنت والشحن البحري والجوي. لكن هل يُمكن لهذا الوقود الواعد أن ينتقل من مرحلة الوعد إلى مرحلة الواقع التشغيلي؟

ينتج الهيدروجين الأخضر عبر عملية التحليل الكهربائي للماء باستخدام كهرباء مولّدة من مصادر متجددة كالشمس والرياح، مما يجعل بصمته الكربونية شبه معدومة. ويُميّزه ذلك جوهرياً عن الهيدروجين الرمادي المنتج من الغاز الطبيعي، الذي ما زال يُهيمن على السوق الحالية.

وتتصدر ألمانيا ودول الشمال الأوروبي قائمة الاستثمارات في هذا القطاع، حيث رصدت ألمانيا وحدها تسعة مليارات يورو ضمن استراتيجيتها الوطنية للهيدروجين. كما تعمل هذه الدول على بناء شراكات مع دول ذات إمكانات عالية لإنتاجه كأستراليا والمغرب وتشيلي والدول الخليجية.

وتحتل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موقعاً استراتيجياً بامتياز في خارطة الهيدروجين الأخضر المستقبلية، نظراً لتوافر الإشعاع الشمسي المرتفع والأراضي الشاسعة والقرب الجغرافي من أسواق الطلب الأوروبية. وتعكف دول عدة في المنطقة على دراسة مشاريع تصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا عبر أنابيب مخصصة أو في هيئة أمونيا خضراء.

بيد أن ثمة عقبات جوهرية تعترض المسار، وفي مقدمتها التكلفة المرتفعة للإنتاج مقارنةً بالوقود التقليدي. ويُقدّر الخبراء أن تكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين الأخضر تتراوح حالياً بين خمسة وعشرة دولارات، في حين يحتاج السوق لوصوله إلى ما دون الدولارين لكي يكون قادراً على المنافسة. وتعمل التطورات التكنولوجية وتحسين كفاءة الإلكتروليزرات على خفض هذه التكاليف تدريجياً.

وإلى جانب التكلفة، يبرز تحدي البنية التحتية بوصفه عائقاً رئيسياً، إذ يتطلب نقل الهيدروجين وتخزينه استثمارات ضخمة في محطات الضخ وخطوط الأنابيب وناقلات التبريد. ويرى بعض المختصين أن تحويل الهيدروجين إلى أمونيا ثم إعادة تحويله في موقع الاستخدام قد يكون البديل الأكثر واقعية للنقل على المدى البعيد.

ومن الناحية التنظيمية، تسعى دول عديدة إلى وضع معايير وشهادات موحّدة لضمان جودة الهيدروجين الأخضر وتتبّع بصمته الكربونية على طول سلسلة الإمداد. وتُعدّ هذه الخطوة ضرورية لبناء ثقة المستثمرين والمستهلكين في هذا المنتج الواعد.

وبالنظر إلى المشهد العالمي في مجمله، ثمة إجماع متنامٍ على أن الهيدروجين الأخضر لن يكون بديلاً شاملاً للطاقة، بل مكوناً أساسياً في محفظة طاقة متنوعة. وستُحدد العقد المقبل ما إذا كانت الإرادة السياسية والاستثمارات المطلوبة ستتضافر لتحويل هذا الوعد التكنولوجي إلى ركيزة فعلية في منظومة الطاقة العالمية.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top