تشهد الملفات البحرية ثورة هادئة لكنها عميقة الأثر؛ إذ بات مصطلح طاقة الرياح البحرية يُرادف التحول الطاقوي الكبير الذي تعيشه أوروبا وآسيا وسواهما. فبينما تُهيمن ألواح الطاقة الشمسية على المشهد البريّ، تنمو توربينات الرياح العملاقة في عرض البحار بصمت، لتُصبح ركيزة صلبة في إمداد الكهرباء النظيفة.
تُعدّ المياه الأوروبية بيئة خصبة لهذه التقنية؛ إذ تتمتع بسواحل طويلة ورياح متواصلة وبُنية تحتية بحرية راسخة. وقد استثمرت دول كالمملكة المتحدة والدنمارك وهولندا وألمانيا في هذا القطاع بقوة منذ مطلع الألفية الثالثة، لتحقق اليوم نتائج باهرة. تُنتج المملكة المتحدة وحدها نحو 14 غيغاواط من توربينات بحرية، وتسعى إلى رفع هذا الرقم إلى 50 غيغاواط بحلول عام 2030.
الفارق الجوهري بين توربينات الرياح البحرية وتلك البريّة يكمن في الحجم والكفاءة. فالتوربينات البحرية أضخم بكثير، وتعمل في ظروف رياح أقوى وأكثر استقراراً، مما يرفع كفاءتها الإنتاجية بصورة ملحوظة. وقد طوّرت شركات متخصصة كفيستاس الدنماركية وسيمنس غاميسا توربينات بحرية تُنتج 15 ميغاواط من الطاقة للتوربين الواحد، وهو رقم كان يبدو ضرباً من الخيال قبل عقد من الزمن.
على صعيد التكنولوجيا، تُشكّل التوربينات العائمة النقلة النوعية التالية في هذا المجال. فمعظم المنشآت الحالية تعتمد على قواعد ثابتة في قيعان البحار الضحلة، غير أن التوربينات العائمة تُتيح الوصول إلى أعماق بحرية أكبر، مما يُضاعف المساحات الصالحة للاستثمار. وتجري حالياً تجارب ناجحة قبالة السواحل النرويجية واليابانية والأمريكية لاختبار هذه التقنية على نطاق تجاري.
لا تقتصر فوائد طاقة الرياح البحرية على الجانب البيئي، بل تمتد إلى الأثر الاقتصادي. فكل غيغاواط مُركَّب يخلق آلاف الوظائف في مراحل التصميم والتصنيع والتركيب والصيانة. وتُشير بيانات WindEurope إلى أن القطاع يُشغّل أكثر من 316 ألف عامل عبر سلسلة القيمة الأوروبية، ومن المتوقع أن يتجاوز هذا الرقم المليون بحلول عام 2030.
في السياق العربي، تبدو طاقة الرياح البحرية مرشحة لتلعب دوراً في دول ذات شريط ساحلي مديد كالمغرب ومصر وسلطنة عُمان. وقد أعلنت المغرب عزمها تطوير قدرات ريحية بحرية ضمن استراتيجيتها الطاقوية الطموحة، فيما تدرس مصر جدوى استغلال مياه البحر الأحمر التي تتميز برياح قوية ومنتظمة.
إن مسيرة طاقة الرياح البحرية ليست خطاً مستقيماً؛ ثمة تحديات تتعلق بتكاليف التوصيل بشبكات الكهرباء البريّة، والتأثيرات على النظام البيئي البحري، وقضايا الترخيص والملاحة. غير أن التقدم التكنولوجي المتواصل وهبوط التكاليف المُطّرد يجعلان من هذه التقنية رهاناً آمناً لمستقبل الطاقة النظيفة على مستوى العالم.