اجتمع ممثلو ثلاثة وأربعين دولة في مدينة جنيف السويسرية، الاثنين الماضي، في إطار قمة دبلوماسية طارئة دعت إليها مجموعة من الدول المحايدة، بهدف بحث سبل التهدئة في ظل موجة التوترات الجيوسياسية التي تشهدها مناطق عدة من العالم منذ مطلع العام الجاري.
وأفادت مصادر مطلعة على مجريات الاجتماعات بأن الجلسات الافتتاحية شهدت خلافات واسعة حول جدول الأعمال، إذ طالبت كتلة من الدول النامية بتوسيع نطاق النقاش ليشمل ملفات الأمن الغذائي واللاجئين المتضررين من النزاعات المسلحة، فيما آثرت دول أخرى حصر النقاش في الجوانب الأمنية العسكرية المباشرة.
وقال المبعوث الخاص لمنظمة التعاون الإقليمي كلوفيس مارتينيز في كلمة أمام المشاركين: إنه لا يمكن معالجة أسباب التوترات دون الاعتراف بالتشابك العضوي بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية والإنسانية، مشيراً إلى أن عدد المهجرين قسراً جراء النزاعات الإقليمية بلغ خلال الأشهر الستة الماضية نحو أربعة ملايين شخص وفق آخر الإحصاءات.
وتمحورت إحدى أبرز نقاط الخلاف حول مقترح تقدمت به دول شمال أوروبا يقضي بإنشاء آلية دائمة للتحقق من وقف إطلاق النار في مناطق النزاع، غير أن عدداً من الدول الكبرى أبدت تحفظات جوهرية على الصلاحيات التي سيتمتع بها هذا الجسم المقترح، ولا سيما ما يتعلق باستقلاليته عن هيئات الأمم المتحدة القائمة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أبلغت بعثة الدراسات المالية الدولية المشاركة في القمة أن حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة الممتدة من شرق أوروبا إلى جنوب آسيا قُدِّر بنحو ستمائة وثمانية وثلاثين مليار دولار خلال العامين الماضيين، مشيرةً إلى أن هذا الرقم مرشح للارتفاع بنسبة ثلاثين بالمئة خلال العام القادم في حال استمرار الوضع الراهن.
وقررت القمة تمديد أعمالها يوماً إضافياً للتشاور حول مسودة البيان الختامي، بعد أن تعذّر التوصل إلى صياغة توافقية في نهاية الجلسة الأولى. وستُعقد جلسات صباح الغد بمشاركة وزراء خارجية خمس دول دائمة التمثيل في مجلس الأمن الدولي، وهو ما يُعدّ سابقة لافتة في تاريخ هذا المنتدى الذي تأسس عام ألفين وأحد عشر.
ويرى المراقبون الدبلوماسيون أن نجاح القمة في إصدار بيان مشترك ملزم سيظل مرهوناً بمدى استعداد القوى الكبرى لتقديم تنازلات في الملفات الخلافية الشائكة، مؤكدين أن المشهد الراهن يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الأطراف المختلفة تحتاج إلى أكثر من بيانات دبلوماسية لتجاوزها.