في تحول لافت يعكس إدراكاً متصاعداً لضرورة التنويع الاقتصادي، تتسابق دول الخليج العربي على الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة بوتيرة غير مسبوقة. ولم تعد هذه الدول مجرد مصدّرة للنفط والغاز، بل باتت تسعى لأن تكون لاعباً محورياً في منظومة الطاقة النظيفة على الصعيد العالمي.
وأعلنت المملكة العربية السعودية مؤخراً عن حزمة استثمارية بقيمة مئة وعشرين مليار دولار موجهة نحو مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح حتى عام ثلاثين وألفين، ضمن إطار رؤية ثلاثين ألف وألفين. وتتصدر هذه الخطة مشاريع عملاقة كمجمع نيوم للطاقة الشمسية الذي سيكون الأضخم من نوعه في العالم حين اكتماله.
وعلى المنوال ذاته، لا تألو الإمارات جهداً في هذا الميدان، إذ تمضي قُدُماً في تنفيذ مشروع محطة براكة للطاقة النووية السلمية، فضلاً عن مشاريع الطاقة الشمسية في مدينة مصدر، التي تُعدّ من أبرز المناطق المتخصصة في الطاقة المستدامة على مستوى العالم. وتستهدف الإمارات أن تُؤمّن نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر نظيفة بحلول عام خمسة وأربعين وألفين.
أما قطر، التي دأبت تاريخياً على الاعتماد الكلي على الغاز الطبيعي، فقد أطلقت برنامجاً وطنياً طموحاً للطاقة الشمسية يرمي إلى تغطية ربع استهلاكها الكهربائي من الطاقة المتجددة. وتستضيف قطر أيضاً مقر عدد من كبرى شركات الطاقة المتجددة التي تستثمر في أسواق آسيا وأفريقيا.
ويرى المحللون أن هذا التحول ليس دافعه البيئي وحده، بل إنه مدفوع بقدر كبير من الحسابات الاقتصادية الاستراتيجية. فمع تسارع وتيرة التحول العالمي نحو خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، تسعى دول الخليج إلى تنويع مصادر دخلها قبل أن يتراجع الطلب على النفط بصورة ملموسة.
وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة تمتلك مزايا تنافسية استثنائية في مجال الطاقة الشمسية، إذ تتميز بمعدلات إشعاع شمسي بين الأعلى في العالم، إلى جانب توافر الأراضي الصحراوية الشاسعة. كما أن التكاليف المنخفضة نسبياً للتشييد والبناء تجعل الجدوى الاقتصادية لمشاريع الطاقة المتجددة جاذبةً للمستثمرين الأجانب.
وقد استقطبت المنطقة في السنوات الأخيرة موجة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من شركات طاقة أوروبية وآسيوية وأمريكية، تسعى للاستفادة من هذه البيئة الاستثمارية المواتية. ويرى الخبراء أن التعاون بين الشركات الدولية والحكومات الخليجية يُتيح نقل التكنولوجيا وبناء الكوادر المحلية المتخصصة.
في ظل هذه المعطيات، تتشكل ملامح خارطة جديدة للطاقة العالمية، تتحول فيها دول الخليج من مورّدة للوقود الأحفوري إلى مصدّرة للطاقة النظيفة والتكنولوجيا المرتبطة بها، وهو تحول قد يُعيد رسم موازين القوى الاقتصادية في العقود المقبلة.