أزمة الرعاية الصحية في أفريقيا: نقص الأدوية يُهدد الملايين

يرزح نظام الرعاية الصحية في أجزاء واسعة من القارة الأفريقية تحت وطأة أزمة حادة تتمثل في نقص الأدوية الأساسية واللقاحات، مما يُلقي بظلاله الثقيلة على حياة الملايين. وتتعاون منظمات دولية مع حكومات محلية لمعالجة هذه الأزمة، وإن كان المختصون يُحذّرون من أن الحلول المطروحة تبقى قاصرة أمام حجم الأزمة الحقيقي.

وكشف تقرير صادر عن منظمة أطباء بلا حدود أن أكثر من خمسة وعشرين دولة أفريقية تعاني من نقص في الأدوية الأساسية لمعالجة أمراض كالملاريا والسل والإيدز والسكري. وتأتي هذه الأزمة في سياق تراجع التمويل الدولي المخصص للصحة في المنطقة، فضلاً عن تداعيات التضخم العالمي الذي رفع تكاليف الاستيراد بشكل لافت.

وتُمثل دول جنوب الصحراء الكبرى بؤرة الأزمة الأشد وطأة، حيث تعاني مستشفيات ومراكز صحية من شُح الإمدادات. ووثّق الصحفيون حالات يُضطر فيها المرضى إلى شراء أدوية من الصيدليات الخاصة بأسعار تُقارب ثلاثة أضعاف قيمتها الحقيقية، في حين لا يملك كثيرون الموارد اللازمة لذلك.

ويُحمّل المحللون مسؤولية هذه الأزمة لجملة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها الاعتماد المفرط على واردات الأدوية من آسيا وأوروبا دون بناء قدرات تصنيع محلية. كما أن الفساد الإداري وضعف كفاءة سلاسل التوريد يُفاقمان الأزمة، إذ تضيع كميات كبيرة من الأدوية بسبب سوء التخزين والتوزيع.

وفي مواجهة هذا الواقع، تُسرّع الاتحاد الأفريقي خطاه نحو تأسيس صناعة دوائية محلية تضمن الاكتفاء الذاتي. وأعلن عن مبادرة “صنع في أفريقيا” للأدوية، تستهدف أن تُصنَّع نسبة ستين بالمئة من الاحتياجات الدوائية محلياً بحلول عام خمسة وثلاثين وألفين. غير أن الخبراء ينبهون إلى أن تحقيق هذا الهدف يستلزم استثمارات ضخمة وإصلاحات جوهرية في المنظومة التشريعية.

وعلى صعيد التدخلات الدولية، أعلنت مجموعة الدول السبع عن تعهدات مالية بقيمة ملياري دولار لدعم أنظمة الصحة في أفريقيا، في حين قدمت الصين عروضاً لإنشاء مصانع أدوية في عدد من الدول الأفريقية في إطار مبادرة الحزام والطريق. ويتباين الموقف من هذه العروض الصينية بين مرحب بها بوصفها فرصة، ومتحفظ عليها خشية نشوء تبعيات جديدة.

وفي غضون ذلك، يواصل عاملون في قطاع الصحة على أرض الواقع جهودهم بأدوات شحيحة وفي ظروف بالغة الصعوبة. وتسرد شهاداتهم صوراً مؤلمة عن اضطرارهم لتحديد الأولويات بين مرضى بحاجة لنفس الدواء المنقطع، وهي معضلة أخلاقية وإنسانية لا تحتملها الضمائر.

وخلاصة القول، فإن أزمة الصحة في أفريقيا ليست قضية إنسانية وحسب، بل هي تحدٍّ للنظام الاقتصادي والسياسي العالمي الذي ما زال يُبقي القارة في هامش الاهتمام، بينما تشهد جائحات وأوبئة تستنزف طاقاتها البشرية الإنتاجية.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top